سيدي أحمد البدوي.. مقام الأولياء لا تهدمه ألسنة الجهلاء.. والتصوف علم وليس خرافة!
بقلم أحمد قنديل
المتحدث الرسمي باسم المشيخة العامة للطرق الصوفية
ليس كل من رفع صوته امتلك الحقيقة، وليس كل من تطاول على مقامات الصالحين أصبح عالمًا بالدين، وليس من الشجاعة الفكرية أن يهدم الإنسان تاريخًا لا يعرفه، أو يطعن في رموز الأمة دون علم أو تحقيق أو إنصاف.
إن الحديث عن سيدي أحمد البدوي رضي الله عنه، أحد أعلام التصوف الإسلامي، لا ينبغي أن يكون ساحة للتجريح أو السخرية أو تصفية الحسابات الفكرية، وإنما ميدانًا للبحث العلمي الرصين، والرجوع إلى المصادر المعتبرة، والتمييز بين الحقائق التاريخية والروايات الشعبية التي تحتاج إلى تحقيق وتمحيص.
وأقولها بوضوح: نحن لا نقدس بشرًا، ولا نعبد قبرًا، ولا ننسب إلى وليٍّ قدرةً مستقلة عن الله، فالله وحده هو النافع الضار، وهو الخالق المدبر، وإليه تتوجه القلوب بالعبادة والدعاء.
لكننا في الوقت نفسه نرفض أن تتحول محبة الصالحين إلى تهمة، وأن يصبح احترام أولياء الله مادة للاستهزاء، وأن يُختزل تاريخ التصوف الإسلامي في تصرفات فردية أو حكايات لا تثبت أمام ميزان العلم.
لقد قال الله تعالى في كتابه العزيز:
﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: 62-63].
وهنا يضع القرآن الكريم المعيار الحقيقي للولاية: الإيمان والتقوى، لا الادعاءات ولا المظاهر ولا الأساطير.
ولمن يهاجمون زيارة مقام سيدي أحمد البدوي، أو يتسرعون في اتهام محبيه بالشرك والبدعة، أقول لهم: قبل أن تصدروا الأحكام، اقرأوا ما قررته المؤسسات الدينية المصرية المتخصصة.
فقد أكدت دار الإفتاء المصرية في فتواها رقم 2949، بتاريخ 13 ديسمبر 2015، مشروعية زيارة مقامات آل البيت والأولياء والصالحين، ورفضت وصف هذه الزيارات في ذاتها بالشرك أو البدعة.
كما أكدت دار الإفتاء في فتواها رقم 8754، بتاريخ 31 أغسطس 2025، مشروعية زيارة مقامات الصالحين، مع ضرورة الالتزام بالخشوع والسكينة والآداب الشرعية، والابتعاد عن التصرفات التي تسيء إلى الدين.
بل إن كتب الفقه التي استندت إليها دار الإفتاء تناولت مسألة السفر لزيارة سيدي أحمد البدوي بالاسم، في سياق بيان مشروعية السفر لزيارة الصالحين.
فهل نترك كلام أهل العلم المتخصصين، ونأخذ ديننا من مقطع مبتور أو منشور ساخر أو اتهام مرسل؟!
إن الدفاع عن سيدي أحمد البدوي ليس دفاعًا عن الخرافة، وإنما دفاع عن الإنصاف العلمي، وعن حق رموز التراث الإسلامي في أن تُقرأ سيرتهم بعقول الباحثين لا بألسنة المتطاولين.
ونحن أول من يرفض الخرافة إذا ثبتت، وأول من يطالب بتصحيح الممارسات المخالفة للشريعة، لأن التصوف الصحيح ليس هروبًا من العلم، ولا خروجًا عن الشريعة، وإنما تربية للنفس على الإخلاص، وتهذيب للأخلاق، وتزكية للقلوب.
ومن أراد أن ينتقد رواية تاريخية فليأتِ بدليل، ومن أراد أن يناقش ممارسة دينية فليحتكم إلى العلم، أما أن يتحول الخلاف إلى إساءة للأولياء وازدراء لمشاعر الملايين، فذلك لا يصنع فكرًا ولا يخدم دينًا.
إن مصر التي احتضنت الأزهر الشريف، وعرفت مدارس العلم والتصوف عبر قرون، كانت ولا تزال أرضًا للاعتدال والمحبة والتسامح، ولم يكن احترام الصالحين يومًا نقيضًا للعقل أو العلم أو الإيمان.
وأخيرًا أقول:
لن يزداد الدين قوة بالإساءة إلى الصالحين، ولن تنتصر العقيدة بتكفير المسلمين، ولن يصبح الجهل علمًا مهما ارتفع صوته.
سيدي أحمد البدوي مقامه في الوجدان الديني والتاريخي لا يجوز أن يكون مباحًا للتشهير والتطاول.
نحن لا ندافع عن خرافة، بل ننتصر للعلم. ولا ندعو إلى تقديس الأشخاص، بل إلى احترام الصالحين. ولا نخاصم أحدًا في الدين، بل نرفض أن يُختطف الدين باسم التشدد أو الجهل.
رحم الله سيدي أحمد البدوي، وحفظ مصر وأزهرها وعلماءها، وجعلنا جميعًا من أهل العلم والأدب والإنصاف.
المصادر الرسمية الموثقة
دار الإفتاء المصرية – حكم زيارة أضرحة آل البيت ومقامات الصالحين، فتوى رقم 2949
دار الإفتاء المصرية – حكم زيارة مقامات الأنبياء والأولياء والصالحين، فتوى رقم 8754
دار الإفتاء المصرية – حكم شد الرحال لزيارة قبور الأنبياء والصالحين، وتتضمن ذكر سيدي أحمد البدوي بالاسم
دار الإفتاء المصرية – أسئلة متنوعة في الذكر والمدد وإقامة المولد، فتوى رقم 4614

تعليقات
إرسال تعليق