د. ياسر الأنصاري: تطوير الإعلام القومي يبدأ بتحول رقمي شامل وتغيير ثقافة الإدارة


أكد الدكتور ياسر الأنصاري، الباحث في شؤون الإعلام، أن تطوير منظومة الإعلام القومي لا يمكن أن يقتصر على إجراءات إدارية أو فنية محدودة، وإنما يتطلب معالجة شاملة للإشكاليات البنيوية المتجذرة داخل المؤسسات الإعلامية، إلى جانب مراجعة البيئة التشريعية والاقتصادية والسياسية التي تحكم عملها.

وأوضح الأنصاري أن من أبرز التحديات التي تواجه الإعلام القومي بطء استيعاب التحول الرقمي، مشيرًا إلى أن المؤسسات الإعلامية العربية تعاملت لفترة طويلة مع الإعلام الرقمي باعتباره منافسًا للصحافة المطبوعة، بينما كان ينبغي النظر إليه باعتباره التطور الطبيعي لصناعة الإعلام، والقادر على دمج مختلف الوسائط الإعلامية في منصة واحدة.

وأضاف أن التأخر في مواكبة الإعلام الرقمي انعكس على الأداء المؤسسي، حيث استمرت المؤسسات في الاعتماد على نماذج الإدارة والتمويل الخاصة بالصحافة الورقية، دون الاستفادة من مصادر الدخل الحديثة التي تعتمد عالميًا على بيع المحتوى الرقمي، والاشتراكات، وتنظيم الفعاليات، بينما تراجعت الإعلانات إلى مرتبة أقل أهمية مقارنة بالنموذج التقليدي.

وأشار الباحث في شؤون الإعلام إلى أن ثقافة مقاومة التغيير ما زالت تمثل أحد أبرز معوقات التطوير، رغم الارتفاع الكبير في تكاليف الورق والطباعة، مؤكدًا أن الحفاظ على الإصدارات الورقية يجب أن يكون في إطار الاستفادة من قيمتها التاريخية والعلامة التجارية التي تمتلكها، مع تحويلها إلى منصات رقمية متنوعة تحقق الاستدامة الاقتصادية وتواكب متطلبات السوق الإعلامية.

وشدد الأنصاري على أن نجاح أي مشروع لتطوير الإعلام القومي يرتبط بالاستثمار الحقيقي في تدريب الكوادر، والاستعانة بالأجيال الشابة الأكثر قدرة على التعامل مع التكنولوجيا الحديثة، موضحًا أن الإعلام الرقمي لم يعد يعتمد فقط على كتابة النصوص، وإنما على اختيار الشكل الأنسب لتقديم الرسالة الإعلامية، سواء عبر الفيديو أو البودكاست أو الرسوم البيانية أو المنصات التفاعلية، بما يعزز انتشار المحتوى وتأثيره.

ولفت إلى أهمية تطوير المحتوى الإعلامي بما يتجاوز منطق السعي وراء "الترند" وجذب الانتباه فقط، من خلال تقديم محتوى مهني ومتوازن يستفيد من الأدوات الرقمية الحديثة، ويراعي في الوقت نفسه الخصوصية الثقافية والوطنية، ويعتمد على تعدد زوايا المعالجة ورفع كفاءة الممارسين مهنيًا وثقافيًا.

وأكد الأنصاري أن الرقابة على الأداء الإعلامي ينبغي أن تعتمد بصورة أكبر على مؤسسات المجتمع المدني، مثل الجامعات والنقابات والأحزاب والمراكز البحثية والمؤسسات الدينية، من خلال وضع مدونات سلوك مهنية تستند إلى الدستور والهوية الثقافية، بما يضمن تعزيز المسؤولية المهنية بعيدًا عن الإدارة التنفيذية للدولة.

كما دعا إلى الاستفادة الاقتصادية والمهنية من الأرشيف الضخم الذي تمتلكه المؤسسات الصحفية القومية، عبر تحويل المقالات والصور والمواد التاريخية إلى منتجات رقمية قابلة للتسويق، بما يوفر مصادر دخل جديدة، ويمنح المحتوى الصحفي عمقًا إضافيًا من خلال الربط بالأرشيف التاريخي، مع ضرورة تقنين هذه العملية بما يتوافق مع قوانين الملكية الفكرية.

واختتم الدكتور ياسر الأنصاري تصريحه بالتأكيد على أن مستقبل الإعلام القومي مرهون بقدرته على التحول من نموذج الصحافة التقليدية إلى نموذج إعلامي رقمي متكامل، يجمع بين الحفاظ على الإرث المهني للمؤسسات الصحفية والاستفادة من الفرص التي تتيحها التكنولوجيا الحديثة، بما يضمن تعزيز دوره الوطني وتحقيق الاستدامة الاقتصادية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بين شِعب أبي طالب وغزة.. حصار يتجدد وصمود لا ينكسر ودور مصري يضرب به المثل

مؤسسة ساويرس للتنمية الاجتماعية "الشريك الداعم للأثر" لمهرجان الجونة السينمائي 2025

مدينة زويل تحتفل بالذكرى ٥٢ لنصر أكتوبر المجيد بمشاركة نخبة من ابطال حرب اكتوبر