الإمام الطيب.. رمزاً للضمير الإسلامي
المركز الملكي الأردني يختار الإمام الطيب من أهم الشخصيات الإسلامية الأكثر تأثيراً في العالم لعام 2025
الملك عبد الله الثاني: الإمام الطيب ركناً أساسياً في معادلة مواجهة التطرف وحماية الهوية الدينية الوسطية
الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا في خطاب رسمي يستشهد بكلمات الإمام الطيب حول ضرورة رفع راية السلام
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الشيخ الطيب "بصيص أمل لحماية المستضعفين"
تقرير حسين الطيب
جاء اختيار المركز الملكي للبحوث والدراسات الإسلامية الاستراتيجية في تقريره السنوي الشهير "The Muslim 500"، والصادر عن دولة الأردن الشقيقة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، ضمن قائمة الشخصيات الإسلامية الأكثر تأثيراً في العالم لعام 2025، حيث حلّ في المرتبة الثالثة عشرة. استمراراً لحضور الإمام الطيب كواحد من أبرز الرموز الدينية العالمية ذات التأثير السياسي والإنساني الممتد عبر حدود الدول.
حيث جاء اختيار الإمام الطيب في عام استثنائي على المستويين العربي والإسلامي، وهو العام الذي شهد ذروة الحرب الإسرائيلية على غزة، وما أحدثته من صدمة أخلاقية هائلة في الوعي العالمي. ولعل اختيار "أهل غزة" كشخصية العام في تقرير المركز الملكي يمثل إطاراً تفسيرياً يساعد في فهم سبب استمرار حضور الإمام الطيب في موقع متقدم. فالخطاب الذي أطلقه شيخ الأزهر خلال الحرب كان متسقاً مع روح هذا الاختيار. لقد اتخذ موقفاً جريئاً، شديد الوضوح، منحازاً إلى الحق والعدالة، وعابراً للقيود الدبلوماسية واللغة الرسمية التي حاولت بعض المؤسسات الالتزام بها. ومن خلال بياناته القوية، وخطبه المتوازنة بين العقل والضمير، أصبح صوت الأزهر في عهد الطيب تعبيراً صريحاً عن وجدان الأمة في لحظة تاريخية يعاد فيها تعريف معنى الدين ودوره في مواجهة الظلم.
الأمر اللافت أن الإمام الطيب لم يبنِ شرعيته العالمية على مواقفه السياسية فحسب، بل على مسار طويل من التكوين الفكري المتداخل بين التراث العميق والانفتاح على الحداثة. فقد نشأ في بيئة صوفية جنوبية في قرية القرنة بمحافظة الأقصر، حيث كانت "ساحة الطيب" التي أدارها والده مركزاً للتسويات الاجتماعية وحل النزاعات وممارسة قيم الكرم والسلم الأهلي. هذه النشأة الروحية غرست فيه منذ طفولته إحساساً عميقاً بالسلم، ومهارات الحوار، وفلسفة اللين المتصلة بتراث التصوف، وهي ملامح ستصبح لاحقاً جزءاً من شخصيته العالمية.
لكن هذه الجذور التقليدية ترافقها تجربة فريدة في باريس، حيث ابتعث إلى جامعة السوربون في سبعينيات القرن الماضي، وهناك احتك بالفلسفة الغربية المعاصرة، وتشرّب روح النقد العقلي، وتعلم الفرنسية حتى أتقنها، وكتب أطروحة دكتوراه حول الجانب النقدي في فلسفة أبي البركات البغدادي. هذا التكوين المركب بين الصعيد والسوربون، بين التصوف والفلسفة النقدية، بين التراث والسياق الغربي، جعل من الإمام الطيب نموذجاً نادراً لرجل دين قادر على التحرك داخل فضاءات ثقافية متعددة، دون أن يفقد توازنه أو هويته.
ولعل هذا ما يفسر قدرة الإمام الطيب على صياغة رؤية أزهرية راسخة في عهده تقوم على ثلاثة أعمدة هي " العقيدة الأشعرية بما فيها من اتزان عقلي ورفض للتجسيم والتكفير، والمذهبية الفقهية التي تمنع فوضى الفتاوى وتضمن انضباطاً علمياً يحتاجه العالم المعاصر أكثر من أي وقت مضى، والتصوف السني الأخلاقي الذي يرى فيه الطيب حصناً ضرورياً ضد العنف والتطرف والتصحر الروحي. هذا المثلث الفكري لم يكن مجرد طرح نظري، بل تحول إلى رؤية مؤسسية تصوغ هوية الأزهر في المناهج، وفي الخطاب الإعلامي، وفي المواقف العامة.
في مواجهة.. السلفية التكفيرية
تجلت هذه الهوية في المواجهة الصريحة التي خاضها الإمام الطيب ضد التيارات السلفية والوهابية، والتي اعتبرها تهديداً مباشراً لهوية الإسلام المصري. ولم يتردد في وصف "السلفية الجديدة" بأنها ليست من أهل السنة والجماعة بالمعنى الأزهري، ما أثار جدلاً واسعاً، لكنه أكد أن الأزهر لن يساير خطاب التشدد ولن يسمح بطمس تراثه العلمي الممتد. وفي سياق متصل، تعامل بحنكة لاهوتية مع مسألة التكفير التي واجهها بشدة خلال صعود تنظيم داعش، رافضاً إصدار حكم تكفير عقائدي عليهم رغم الضغوط السياسية والإعلامية الكبيرة، ومكتفياً بتوصيفهم كمجرمين مارقين يمارسون الحرابة ويستحقون أشد العقوبات. لقد كانت تلك لحظة أظهرت مدى التزام الطيب بالمبادئ العلمية للأزهر، وقدرته على مقاومة الانفعال التي كان يمكن أن يقود إلى فتوى غير منضبطة.
على الجانب السياسي، كشف العامان 2024 و2025 عن قدرة الإمام الأكبر على إدارة توازن بالغ الحساسية بين استقلالية الأزهر وموقعه في قلب الدولة المصرية. وتعد واقعة البيان الخاص بـ"مجاعات غزة"، الذي نشره الأزهر ثم حُذف بعد ساعات، مثالاً على هذا التوازن. فالبيان حمل لهجة حادة غير مسبوقة ضد المجتمع الدولي وضد الأطراف العربية المتخاذلة، ما دفع الدولة إلى التدخل لاعتبارات دبلوماسية. ورغم ذلك خرج الإمام الطيب من الأزمة بصورة تزيد من رصيده الشعبي، لأن الناس أدركت أنه لم يتراجع عن موقفه، بل اضطر للتعامل مع تعقيدات الواقع السياسي، وأن صوته ظل هو الأقوى في الدفاع عن غزة.
لم يكتف الإمام الطيب بخطاباته تجاه غزة، بل قام بتحركات دبلوماسية واسعة، كان أبرزها لقاؤه برابوو سوبيانتو الرئيس الإندونيسي المنتخب في جاكرتا، والذي جرى خلاله الاتفاق على إطلاق تحالفات إنسانية مشتركة لدعم غزة. وتدل هذه التحركات على أن الأزهر تحت قيادة الطيب بات قادراً على تشكيل شبكات نفوذ تمتد إلى شرق آسيا وآسيا الوسطى، وهو ما يعكس تحول الأزهر إلى مؤسسة عابرة للدول والقوميات.
رائد الدبلوماسية الدينية
في مقابل دوره في مواجهة العدوان الإسرائيلي، قدّم الإمام الطيب نموذجاً آخر للدبلوماسية الدينية من خلال "وثيقة الأخوة الإنسانية" التي وقعها مع البابا فرانسيس عام 2019. هذه الوثيقة تحولت بعد سنوات قليلة من توقيعها إلى مرجعية عالمية، حيث اعتمدتها الأمم المتحدة، وتحوّل الرابع من فبراير إلى يوم دولي للأخوة الإنسانية. وتعد هذه الوثيقة أبرز إنجاز عالمي للأزهر في العصر الحديث، لأنها لم تكن مجرد إعلان نوايا بل أسست لشراكة واثقة بين أكبر مرجعية سنية وأكبر مرجعية كاثوليكية. العلاقة التي جمعت بين الطيب والبابا فرانسيس كانت علاقة فريدة تتجاوز البروتوكول الرسمي؛ علاقة مبنية على احترام متبادل وحوار أخلاقي، لدرجة أن البابا أعلن في إحدى المناسبات أن "مجرد اللقاء مع الإمام الأكبر هو رسالة بحد ذاتها". وقد شكل هذا التحالف سداً في وجه خطاب الكراهية والعنصرية، وأربك التيارات المتطرفة في الغرب والشرق على حد سواء.
ومع ذلك، لم تكن علاقة الطيب بالغرب دائماً هادئة. فقد دخل في مواجهة فكرية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عقب أزمة الرسوم المسيئة، وأعلن بوضوح أن حرية التعبير لا يمكن أن تكون غطاء لإهانة المقدسات. ورفض استقبال وفود فرنسية في وقت الأزمة، داعياً إلى تشريعات دولية تجرّم ازدراء الأديان. وقد أثبت هذا الموقف أن الإمام الطيب، رغم خلفيته الأكاديمية في باريس، لا يقبل على الإطلاق أي وصاية ثقافية غربية، وأنه يحاور الغرب بندية واحترام متبادل وليس بعقدة نقص أو تبعية فكرية.
تقديرات و إشادات دولية
ومن المؤشرات المهمة على الاعتراف الدولي بدور الإمام الطيب حصوله على عدد كبير من الجوائز والتكريمات التي تعكس تنوع دوائر تأثيره. فقد نال وسام الاستقلال من الدرجة الأولى من الملك عبد الله الثاني عام 2005 تقديراً لدوره في المؤتمر الإسلامي الدولي، كما حصل على جائزة الشيخ زايد للكتاب بوصفه شخصية العام الثقافية عام 2013، ثم أصبح أول حائز فخري على جائزة الأخوة الإنسانية بعد توقيعه الوثيقة مع البابا فرانسيس عام 2019. وفي عام 2020 كرّمه رئيس أوزبكستان بمنحه لقب "المواطن الفخري لمدينة سمرقند"، وهي مدينة ذات أهمية روحية، تقديراً لجهوده في إحياء تراث الإمام الماتريدي في آسيا الوسطى. وتوّجت هذه السلسلة من التكريمات باختياره في المرتبة الثالثة عشرة ضمن أقوى الشخصيات المسلمة تأثيراً في العالم لعام 2025، وهو اختيار يعكس مسيرة ممتدة من الإنجازات وليست وليدة لحظة عابرة.
وإذا نظرنا إلى شهادات القادة العالميين حول الإمام الطيب، نجد أنها تكشف طبيعة الدور الذي يمثله. فالأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وصفه بأنه "بصيص أمل لحماية المستضعفين"، وهو تصريح غير مسبوق تجاه رجل دين من العالم الإسلامي. أما رئيس أساقفة كانتربري جاستن ويلبي فقد اعتبر الأزهر شريكاً لا غنى عنه في مكافحة التطرف، بينما استشهد الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا في خطاب رسمي بكلمات الإمام الطيب حول ضرورة رفع راية السلام. أما الملك عبد الله الثاني، الذي يرتبط تاريخ بلاده بوصاية دينية على القدس، فيرى في الإمام الطيب ركناً أساسياً في معادلة مواجهة التطرف وحماية الهوية الدينية الوسطية.
إن اختيار المركز الملكي الأردني للإمام الطيب ضمن الشخصيات الأكثر تأثيراً في العالم لعام 2025 هو اعتراف بدور إمام الأزهر في مرحلة تاريخية عاصفة. فقد استطاع أن يصوغ نموذجاً جديداً للقيادة الدينية يقوم على الجمع بين العمق التراثي والانفتاح الحضاري، بين الثبات على المبادئ والمرونة في إدارة الواقع، بين الخطاب الروحي العميق والموقف السياسي الأخلاقي الواضح. وفي عالم يتعرض فيه الإسلام لتشويه ممنهج من طرفين؛ متطرفون يمارسون العنف باسمه، ويمينيون في الغرب يصورونه كدين معادٍ للإنسانية، يظهر الإمام الطيب كصوت يعيد إلى الإسلام صورته الوسطية الرحبة.
لقد أصبح شيخ الأزهر في 2025 أكثر من مجرد عالم دين؛ أصبح رمزاً للضمير الإسلامي، وممثلاً لثقافة الحوار، وصمام أمان روحي في عالم فقد بوصلته الأخلاقية. ومع استمرار التحديات، يحتل الأزهر تحت قيادة الإمام الطيب موقعه كآخر حصون الاعتدال، وكقوة ناعمة تمتلك تأثيراً لا يقل عن تأثير الدول الكبرى، ليس لأنه يملك قوة عسكرية أو نفوذاً سياسياً، بل لأنه يملك الكلمة التي ما زالت قادرة على أن تهز الضمير الإنساني.

تعليقات
إرسال تعليق